أيار 2026… هل يلتزم لبنان موعده الانتخابي؟

خاص north cast
مع اقتراب أيار 2026، يدخل لبنان مرحلة العدّ العكسي لانتخابات نيابية تُعدّ من أبرز الاستحقاقات السياسية في المرحلة المقبلة. هذا الموعد لا يحمل فقط بُعدًا دستوريًا، بل يشكّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة عملية ديمقراطية شاملة في ظل أزمات متراكمة سياسيًا واقتصاديًا وماليًا.
الانتخابات المنتظرة ستحدد تركيبة مجلس النواب للسنوات الأربع المقبلة، وما سينتج عنها من توازنات سياسية قد تنعكس مباشرة على تشكيل الحكومات، وانتخاب رئيس للجمهورية عند الاستحقاق، وإقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة داخليًا ودوليًا.
الإطار الدستوري: موعد ثابت لا يحتمل التأويل
ينص الدستور اللبناني على إجراء الانتخابات النيابية كل أربع سنوات، ما يجعل أيار 2026 موعدًا ملزمًا من الناحية القانونية. وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الداخلية والبلديات أنها باشرت التحضيرات الإدارية واللوجستية، من تحديث لوائح الشطب إلى تجهيز الأقلام وتدريب الموظفين.
هذا الالتزام الإداري يهدف إلى توجيه رسالة واضحة بأن الدولة ماضية في احترام المهل الدستورية، وأن أي حديث عن تأجيل لا يستند حتى الآن إلى معطيات رسمية.
موقف وزير الداخلية: لا تأجيل في الأفق
وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار أكد بشكل صريح أن الانتخابات “ستُجرى في موعدها المحدد في أيار 2026”، مشددًا على أن الوزارة لم تتبلغ أي طلب خارجي أو داخلي رسمي لتأجيلها.
كما أشار إلى أن عدد المرشحين بلغ 30 مرشحًا حتى مساء أمس، ما يعكس بدء العدّ التنازلي فعليًا للاستحقاق، ويدل على دخول القوى السياسية والأفراد الراغبين في الترشح مرحلة التحرك العملي.
القانون الانتخابي: نقطة الاشتباك الأساسية
رغم وضوح الموعد الدستوري، يبقى القانون الانتخابي محور النقاش الأبرز. فهناك طروحات لتعديل بعض البنود، سواء لجهة تقسيم الدوائر، أو احتساب الأصوات التفضيلية، أو آلية تمثيل المغتربين.
ويُعد اقتراع اللبنانيين في الخارج من أكثر الملفات حساسية، خصوصًا في ظل النقاش حول تخصيص ستة مقاعد للاغتراب أو إبقائهم مقترعين لدوائرهم الأصلية داخل لبنان. هذا الجدل يعكس تباينًا في الحسابات السياسية بين القوى المختلفة، نظرًا لما قد تحمله أصوات المغتربين من تأثير على النتائج.
التحديات اللوجستية والمالية
إلى جانب الخلافات السياسية، تواجه الدولة تحديات عملية تتعلق بتمويل العملية الانتخابية في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة. تنظيم الانتخابات يتطلب موازنات لتأمين المستلزمات اللوجستية، أجور الموظفين، تجهيز المراكز، وتأمين العملية في الخارج.
كما أن الوضع الأمني والاستقرار العام يشكلان عنصرًا أساسيًا لضمان إجراء الانتخابات بسلاسة، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية التي تنعكس أحيانًا على الداخل اللبناني.
رأي المحلل السياسي والصحافي غسان ريفي
يرى المحلل السياسي والصحافي غسان ريفي أنّ مسار الانتخابات النيابية حتى الآن يشبه “البورصة السياسية”، يرتفع يومًا وينخفض يومًا آخر، تبعًا لحجم التجاذبات الداخلية والخلافات حول القانون الانتخابي، ولا سيما ما يتعلق بالدائرة 16 المخصصة لاقتراع المغتربين، إضافة إلى البطاقة الممغنطة والـ«ميغا سنتر».
ويشير ريفي إلى أنّ الدائرة 16 تحديدًا تحتاج إلى مراسيم تطبيقية لم تصدرها الحكومة بعد، ما أدى إلى إحالة الملف إلى مجلس النواب، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد القانوني والسياسي المحيط بالاستحقاق.
الاستحقاق بين الداخل والخارج
ويعتبر ريفي أنّ كل استحقاق لبناني يرتبط بشكل أو بآخر بالعامل الخارجي. ويستشهد بتجارب سابقة، حين كان ملف انتخاب رئيس الجمهورية محط ضغوط دولية ولوّح الخارج حينها بعقوبات أو بحجب مساعدات في حال عدم إنجاز الاستحقاق. إلا أنّ هذا النوع من الضغط، وفق رأيه، لا يبدو حاضرًا بالوتيرة نفسها في ملف الانتخابات النيابية، ما قد يعكس فتورًا دوليًا حيال إجرائها في الوقت الراهن.
وفي هذا السياق، يلفت إلى ما نقله رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أحد سفراء “اللجنة الدبلوماسية”، الذي أبلغه بأنّ اللجنة لا تتحمس لإجراء الانتخابات حاليًا وتحبّذ تأجيلها لمدة عام.
حسابات التوازنات السياسية
ويضع ريفي احتمال التأجيل في إطار حسابات تتصل بالتوازنات داخل المجلس النيابي، معتبرًا أنّ إجراء الانتخابات في الظروف الحالية قد لا يؤدي إلى تغييرات جوهرية في الخريطة السياسية، ولا سيما لجهة عدم إحداث أي اختراق في بنية “الثنائي الشيعي”، بل ربما تعزيز حضوره النيابي.
ويرى أنّ بعض القوى الدولية قد تفضّل انتخابات تُفضي إلى مجلس نيابي مختلف في تركيبته، يكون أكثر انسجامًا مع توجهات المجتمع الدولي، وقادرًا على التأثير في الاستحقاقات الدستورية المقبلة، وفي مقدمها انتخاب رئيس للجمهورية.
ويذهب ريفي إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ إجراء الانتخابات في أيار 2026 قد لا يتيح للمجلس الجديد انتخاب رئيس للجمهورية ضمن التوازنات القائمة، في حين أن تأجيلها إلى عام 2027 قد يفتح الباب أمام معادلة سياسية مختلفة تسمح بانتخاب رئيس ضمن خط سياسي معيّن.
ولا يفصل ريفي هذه القراءة عن الواقع الأمني والإقليمي، مشيرًا إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، والتوتر الإقليمي القائم بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى هشاشة الوضع الداخلي، كعوامل قد تُستخدم لتبرير التأجيل.
وبحسب ريفي، فإنّ رئيس مجلس النواب وضع المعادلة بوضوح: إما إجراء الانتخابات في موعدها في أيار 2026، وإما التمديد للمجلس النيابي لمدة سنتين. ويختم بالقول إنه، على المستوى الشخصي، يرجّح سيناريو التأجيل لعامين، معتبرًا أنّ المؤشرات السياسية الراهنة تميل في هذا الاتجاه، رغم بقاء القرار النهائي رهناً بالتطورات الداخلية والإقليمية في الأشهر المقبلة.
بين الاحتمالات والالتزام الرسمي
في المحصلة، تقف الانتخابات النيابية لعام 2026 عند تقاطع معقّد بين النص الدستوري الواضح والواقع السياسي المتقلّب. فبين تأكيدات رسمية بإجرائها في موعدها، وتحليلات ترجّح سيناريوهات التأجيل تحت وطأة الحسابات الداخلية والضغوط الخارجية، يبقى الاستحقاق رهينة توازنات دقيقة تتجاوز حدود صناديق الاقتراع.
الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون كفيلة بتحديد الاتجاه النهائي: إما تثبيت موعد أيار كمحطة ديمقراطية جديدة تعيد إنتاج السلطة وفق الإرادة الشعبية، وإما انزلاق نحو تمديد جديد يعمّق الجدل حول انتظام الحياة الدستورية في لبنان. وفي بلدٍ اعتاد أن ترتبط استحقاقاته الداخلية بحسابات الإقليم والمجتمع الدولي، تبقى الانتخابات المقبلة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على صون مواعيدها الدستورية وحماية مسارها الديمقراطي.


