14 ضحية في انهيار مبنى آخر: طرابلس تنتظر العدالة وتنفيذ خطة الحكومة

كتب الصحافي بشير مصطفى في legal agenda
لم يكن رِيحان قبرَيّ أحمد المير وابنته، الممرّضة الشابة في المستشفى الحكومي في طرابلس، أليسار، قد ذبُل إث مقتلهما، في 24 كانون الثاني 2026، نتيجة سقوط مبنى الرضوان في القبة، طرابلس، حتى نزفت الفيحاء الأحد الماضي (8 شباط 2026)، 14 ضحية جديدة تحت ركام مبنى متهالك آخر في باب التبانة، فيما تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال 8 أشخاص نقلوا إلى المستشفيات. وعليه، مع هذه البداية الدموية للعام 2026 في المدينة، وبعد تكرار حوادث الموت تحت الركام، فتحت طرابلس في دفتر سجلات موتى الترك والإهمال المزمن خانة جديدة: “ضحايا المباني المتهالكة”، بعد ضحايا جولات القتال بين جبل محسن والتبانة، وضحايا مراكب الهجرة غير النظامية (نحو 380 ضحية) الذين كانت طرابلس، يوم سقوط مبنى التبانة، وفي اليوم العالمي لموتى البحار، تحيي ذكراهم، مطالبة بالعدالة لأرواحهم.
العدالة نفسها مطلوبة اليوم، كما ثار الشارع الطرابلسي غضبًا، لأرواح ضحايا المباني المتهالكة التي يتخوّف سكانها من انهيارها كأحجار الدومينو. وهي عدالة تأمل بها الناس مع توجيهات رئيس الحكومة نوّاف سلام بفتح تحقيق في الأسباب وتحديد المسؤوليات. وعليه، اتصل وزير العدل عادل نصار، وإثر زيارة ميدانية إلى المكان برفقة وزير الداخلية أحمد الحجّار، بالنائب العام في الشمال هاني حلمي الحجّار وطلب منه فتح تحقيق قضائي فوري وشامل في أسباب انهيار المبنى، لتحديد المسؤوليات ومحاسبة أي جهة يثبت تقصيرها أو إهمالها، سواء من مالكي البناء أو الجهات المعنية بالرقابة. وإثر تكليفه، باشر الحجّار الإشراف على الملف ميدانيًا، موعزًا للأجهزة الأمنية والأدلة الجنائية بإجراء مسح تقني دقيق لموقع الانهيار ورفع العينات، والاستماع إلى إفادات الناجين والشهود والمسؤولين المحليين.

وفي خضم عمليات البحث عن ناجين بين الأنقاض اشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي بتقاذف المسؤوليات على وقع غضب الشارع، خصوصًا مع إخلاء مبنى آخر في اليوم نفسه في المنطقة نفسها مهدّد بالانهيار، ومع سقوط حجارة من مبان مجاورة للمبنى المنهار. وقد أكد اثنان من الناجين من تحت أنقاض المبنى المنهار لـ “المفكرة القانونية” أنّ سكان المبنى اتصلوا مرّتين ببلدية طرابلس طالبين منها الكشف على المبنى بعد سقوط بعض الحجارة من جدرانه وظهور تشققات كانت تتسع مع الوقت، من دون أي تجاوب. وهو ما أكده أحد أعضاء بلدية المدينة لـ “المفكرة”، مشيرًا إلى أنّ هناك لائحة كبيرة من الأبنية للكشف عليها، ولذا حصل التأخير.
ودخل النائب السابق مصباح الأحدب عبر حسابه على منصة “إكس” على خط النقاش، مطالبًا بالتحقيق “بمفعول رجعي” في ما قال إنّه “تولّي مجلس الإنماء والإعمار مهمّة ترميم أبنية شارع سوريا (شارع التماس الفاصل بين التبانة وجبل محسن) بعد المعارك المتكررة بين الجبل والتبانة”، لمعرفة “هل كان الترميم عمل تجميلي وبويا، أم أنه قام بالكشف على الأساسات”. الأمر الذي استدعى إصدار المجلس بيانًا نفى فيه ما أسماه “معلومات مغلوطة تفيد بأنّ مجلس الإنماء والإعمار قد رمّم سابقًا المبنى الذي انهار الأحد 8 شباط 2026″، مؤكّدًا أنه “لم يكن له أي تدخل في ترميم أو تأهيل هذا المبنى في أي وقت من الأوقات”.
واستدرج سقوط 14 ضحية جديدة تحت المباني المتهالكة أمس الإثنين خطوات عملانية وتنفيذية للمرّة الأولى من قبل الحكومة. إذ دعا رئيسها نوّاف سلام إلى اجتماع طارئ موسّع بحضور الوزراء المعنيين وبلدية طرابلس والمسؤولين في الجسمين القضائي والأمني ورجال دين وهيئات إغاثية، وانبثق عنه خطة طوارئ تحدّدت بـ:
1- إصدار القرار من قبل بلدية طرابلس بإخلاء المباني المعرّضة للسقوط وعددها 114 مبنى وذلك على مراحل في مهلة لا تتجاوز الشهر، على أن يتمّ تأمين بدل إيواء للعائلات التي يتمّ إخلاؤها، لمدة سنة تدفع فصليًا.
2 – تحديد لائحة بمراكز إيواء مؤقتة لدى لجنة إدارة الكوارث في محافظة الشمال على أن يتم تأمين مراكز إضافية عند الحاجة.
3 – تقدّم وزارة الشؤون الاجتماعية المساعدات وتُدرج العائلات التي تمّ إخلاؤها على برنامج “أمان”.
4 – تقوم وزارة الصحة العامة بتغطية العائلات المنكوبة صحيًا وربطها بمراكز الرعاية الأولية.
5- المباشرة بتدعيم الأبنية القابلة للتدعيم وهدم تلك الآيلة للسقوط من قبل الهيئة العليا للإغاثة.
6- تتولّى الهيئة العليا للإغاثة استكمال المسح انطلاقًا من مسوحات البلدية الأولية بالتعاون مع نقابة المهندسين.
7- المباشرة بتقييم وضع البنى التحتية وبخاصة شبكات المياه والصرف الصحّي من قبل مجلس الإنماء والإعمار.
وأشار سلام إلى أنّ “المباني الـ 117 المحددة في الخطة وردت في اللوائح وتمّت زيادتها من قبل البلدية، وهناك مبنى تم إخلاؤه اليوم (أمس) وكان خارج هذه اللائحة، وهناك مبان اخرى أيضا، ومن هنا أهمية أن يكون المسح أشمل، لأنّ هذا المسح هو مسح أولي”، مشيرًا إلى أنّ “الأموال مؤمّنة من خلال الهيئة العليا للإغاثة، وسنؤمّن أموالًا إضافية إن اقتضى الأمر لأنّ حياة الناس هي أولوية الأولويات لدينا”.
وكانت الحكومة الحالية قد اجتمعت إثر انهيار مبنى الرضوان في منطقة القبّة في 24 كانون الثاني 2026، وقرّرت تكليف الهيئة العليا للإغاثة مسح الأضرار والتعويض، وبلدية طرابلس ونقابة المهندسين في طرابلس إجراء مسح فوري للمباني المجاورة (حيث تبيّن تضرّر مبانٍ أخرى).
حصيلة ثقيلة ومقابر المدينة تحتضن الضحايا

عند الساعة الرابعة من عصر الأحد 8 شباط 2026، تحوّل مبنى “صيداوي” في حي المهاجرين شارع سوريا الواقع بين جبل محسن والتبانة في طرابلس، والمؤلّف من 12 شقة إلى كومة من الركام، وهرع المئات من أبناء التبانة للمساعدة في إزالة الردم والبدء برفع الأنقاض، ريثما تصل فرق الإسعاف والدفاع المدني. في تلك الأمسية، كان المشهد مريعًا على الأرض، قبل أن تنزل الدولة بكافّة مؤسساتها الأمنية إلى الأرض، فيما افترش الناس الأرصفة. في الشارع المؤدي من حي السيدة – طلعة العمري إلى حي المهاجرين، ارتفعت صرخات الأطفال والنساء للمطالبة بالإسراع في عمليات البحث. فيما كرر مؤذن الجامع الطلب من الناس إخلاء الطرقات لفرق الإنقاذ والدفاع المدني التي استقدمت الآليات العملاقة والكلاب البوليسية للمشاركة في عمليات البحث بعد أسبوعين فقط على كارثة انهيار مبنى سكني في شارع الجديد – القبة.
مع ساعات الصباح الأولى ليوم الإثنين 9 شباط، أُعلن انتشال آخر الضحايا من تحت ركام مبنى صيداوي: السيّدة خديجة صبح. ومعها، أعلن الدفاع المدني أنّ فرقه أنهت عملية انتشال الضحايا الـ 14 وهم إلى خديجة صبح، كامل محمد الكردي وزوجته منى العلي، نبيل الصايغ وزوجته ناريمان البب وطفلهما الوحيد محمد نبيل الصايغ، سيف الدين صيداوي وابنته سالي، وفاء خضر خليل، أحمد العلي، وحسن أحمد ملحم (لقبه الجمّال) وابنته قمر التي كان يحتضنها تحت الأنقاض، سحر علي الراعي، والشاب عبد الحميد إبراهيم صيداوي.
أول الضحايا الذين انتشلت جثثهم كان كامل الكردي وزوجته منى العلي اللذان يسكنان الطبقة الأخيرة. كان كامل في دكّانه ومنى عند أهلها في جبل محسن لكن لسبب ما عاد كلّ منهما منفصلًا إلى البيت ليجتمعا قبل دقائق من الكارثة. تروي الأستاذة رشا ريشا قريبتهما إنّ “عائلة منى أصرّت عليها البقاء عندهم، وقضاء النهار بأكمله وتناول الغداء، إلّا أنّها رفضت، وعادت لعدم ترك زوجها وحيدًا يوم الأحد، وكامل بدوره عاد باكرًا من دكانه على غير عادته وبعد 5 دقائق سقط المبنى”. وتضيف: “في المقابل، كُتبت الحياة لأبنائهما وأحفادهما، ففي العادة تجتمع العائلة يوم الأحد في منزل كامل، ولكن هذا الأسبوع اختلفت المخططات العائلية”. وتقول متحسّرة: “شكّل هذا البناء مأوى للفقراء ومحدودي الدخل، وما ينطبق على منى وكامل، ينطبق أيضًا على الفقيدة سحر علي الراعي وغيرهم من السكان”.
أخرج من تحت الأنقاض 8 أشخاص أحياء هم أحمد حسن ملحم، وشقيقه علي ملحم، محمد أحمد الشيخ، فؤاد محمد دندشي، محمد عمر الشامي، فؤاد الغندور، خضر تامر، علي النمل المصوّر الذي سقط أثناء تصوير اللحظات الأولى للحادثة، ورولا عكاوي والدة الضحية عبد الحميد صيداوي. يشير الدكتور ناصر عدرة مدير مستشفى طرابلس الحكومي عبر “المفكرة” إلى استقبال المستشفى 10 ضحايا، و6 ناجين، والجريح بالرصاص الطائش محمد الشيخ، فيما توزّع البقية على مستشفيات المدينة. ويلفت دندشي إلى أنّ وزارة الصحة قامت بتغطية كافة نفقات التكفين والرعاية والعلاج.
وأمس الإثنين اتّشحت طرابلس بالسواد، وشيّعت أمس 13 ضحية من سكان المبنى باستثناء خديجة صبح التي شيّعت اليوم الثلاثاء بعد انتظار عائلتها لتصل من الخارج. في منطقة جبل محسن، أقيم تشييع شعبي ضخم لستّة من أبنائها، كامل محمود الكردي، ومنى العلي، ووفاء خضر خليل، وحسن أحمد ملحم وابنته قمر، وسحر علي الراعي.
وفي مقبرة الغرباء – الزاهرية، شيّع الأهالي العسكري المتقاعد سيف الدين صيداوي، وابنته سالي وسط حضور شعبي كثيف.
أما مدافن الميناء القديمة، فقد احتضنت جثمان الشاب عبد الحميد إبراهيم صيداوي. وفي مقبرة باب الرمل، دُفن جنبًا إلى جنب الشاب نبيل الصايغ وطفله محمد، فيما شُيّعت زوجته ناريمان البب في مسقط رأسها بخعون.
وكانت طرابلس شهدت ليل الأحد والإثنين مسيرات غاضبة احتجاجًا على ما آلت إليه أوضاع مبانيهم وتكرار الانهيارات وإنذارات الإخلاء من دون تحرّكات جدّية من الحكومة.
الناجون يتحدثون عن تحذيرات سابقة للبلدية

في مستشفى طرابلس الحكومي، يتلقّى أحمد ملحم (15 عامًا) العلاج بعد انتشاله في بداية أعمال الإنقاذ. حين تحدّثنا إلى أحمد لم يكن قد عرف بعد أنّه فقد والده حسن وشقيقته قمر ولم نكن نحن قد عرفنا ذلك بعد. يروي أحمد أنّه “قبل دقائق من الانهيار، كان شقيقي الصغير علي على الشرفة، دخل إلى الغرفة محذرًا من سقوط أحجار من البناء، ولكن لم ألتفت له. كنت ألهو على الهاتف، وباقي العائلة نيام أي أمي وأبي وشقيقتي الصغرى”. ويضيف: “أصرّ علي بأنّه يسمع أصوات طقطقة من جدران البناء، وتوجّه إلى أبي، وأيقظه من نومه، وحاولت العائلة الفرار. ولكن لم أتمكن من الخروج، وما هي إلّا ثوان حتى انهار المبنى، وغمرتني الحجارة، وبدأت بالصراخ”.
يصف أحمد شعوره لحظة إخراجه من تحت الأنقاض “كان شعورًا غامرًا عندما تمكّن المتجمهرون من إخراجي، كنا أحسّ أنني سأموت في تلك اللحظات. ومضت الدقائق ببطء شديد، وكنت أشعر بالخوف، وواصلت الصراخ، حيث اندفع أكثر من عشرين شخصًا لإخراجي، وحفروا بأيديهم قبل وصول فرق الدفاع المدني”. يكشف أحمد أنّ والده كان تواصل مع البلدية للكشف على المبنى بعد رصده تشقّقًا يتّسع شيئًا فشيئًا، وكان بمثابة دليل على حجم الخطر، إلّا أنّ أحدًا من البلدية لم يحضر للكشف على المبنى.
شقيق أحمد الصغير الذي سمع الأصوات وحذّر والده، أخرج أيضًا حيًّا وانتشر له فيديو يرفع قبضتيه بحماسة وحين التقاه الصحافي إبراهيم الغريب رفع قبضتيه مجدّدًا والتقت الغريب صورة له نشرها على صفحته على فيسبوك وكتب: “لما سحبوه من تحت الأنقاض رفع إيديه بهالطريقة وانتصر وعاش، واليوم علي عم يرجع يرفع إيديه مرّة تانية ورح يكبر ويتعلّم وينال حياة حلوة بيستحقها”.
في غرفة أخرى، يتماثل فؤاد ونّوس للشفاء، ويتحدّث عن “ثوان غيّرت حياته”، فبعد أن عاد من سوق جبل محسن برفقة زوجته وفاء، ركن السيارة، وصعدت زوجته إلى المنزل حاملة الأغراض، فيما توجّه هو إلى بائع القهوة قرب المبنى. يصف لحظة انهيار المبنى بأنّها “كانت أشبه بانفجار قنبلة، ووجدت نفسي فجأة فوق سقف المبنى فوق كومة من الركام، وبدأت أبحث عن زوجتي”. ولكن لم يمض الكثير من الوقت حتى أخرجت فرق الإسعاف جثتها. يضيف فؤاد بحرقة أنّه لم يفقد زوجته فقط بل كل تفاصيل حياته وذكرياته في منزله. ويؤكّد أيضًا ما قاله أحمد أنّ سكان البناء سبق أن تواصلوا مع البلدية عبر الخط الساخن ليطلبوا منها أن تكشف على المبنى “ولكن لم يتجاوب معنا أحد، ربما بسبب المصالح”، يقول فؤاد ونّوس.
الأهالي يخشون من “أثر الدومينو”
يمكن لزائر شارع سوريا الفاصل بين جبل محسن وباب التبانة رصد الحالة السيئة للمباني بالعين المجرّدة. وصحيح أنّ الحي منذ عام 2008، تحوّل إلى منصّة للصدام وأكثر من عشرين جولة عنف أهلي، إلّا أنّ الحال السيئة للمباني ليست نتيجة المعارك وحدها، بل نتيجة عقود من الإهمال. ولا يزال أهالي جبل محسن والتبّانة تحت وقع الصدمة، ويخشون من “أثر الدومينو” على أحيائهم أي تسارع انهيار مبانيهم القديمة الواحد تلو الآخر.
فعلى مقربة من المبنى المنهار، أخلت القوى الأمنية والبلدية في اليوم نفسه للفاجعة، “مبنى عليشة” الذي يتألّف من 4 بلوكات متلاصقة، قبل أن تتالى الإنذارات في اليومين التاليين. والتقت “المفكرة” صباح الإثنين مجموعة من سكان مبنى عليشة، الذين عايشوا اللحظة، قبل أن يتحوّلوا إلى “مشرّدين بفعل عدم وجود مراكز إقامة بديلة” حسب محمد ديبو الذي يعمل عتّالًا ويقطن شقة في المبنى الملاصق للمبنى المنهار. ويقول إبراهيم الذي يقيم في الطابق الخامس من المبنى المخلى إنّ “العائلات أخلت المبنى، البعض قصد أقاربه للمبيت، فيما قضى البعض الليل في الشارع، وعدنا فقط لأخذ بطّانيات وملابس”.
يستذكر الشاب إبراهيم محمد (سوري الجنسية) من سكّان المبنى المخلى أنّه “عندما سقط مبنى صيداوي، صارت منازلنا تموج، وكأنّ زلزالًا ضرب المنطقة، وبدأت الأغراض تتساقط أرضًا”، منبّهًا إلى “سقوط أجزاء من المبنى الذي ما زال قائمًا، وقد أخلي بسبب خطر الانهيار”.
يعبّر محمد ديبو وزوجته بدورهما عن حزنهما لسقوط ضحايا من جيرانهم، “كنا على تواصل دائم مع حسن ملحم، وسحر الراعي، وخديجة صبح التي كانت تعيش لوحدها” وكانت تعمل مُرافِقة في باصات قسم الروضات في ثانوية الإصلاح الإسلامية. ويضيف محمد: “كنّا نقطن في المبنى الذي سقط، ولكن قبل عام ونصف غادرنا إلى المبنى الملاصق الذي ليس أحسن حالًا لأنه عندما تُمطر، تغمر المياه الغرف”. ويعتقد محمد أنّ أحد أسباب انهيار المبنى “تجمّع المياه في أسفله وهو ما كان يحصل منذ أن كنّا نسكن فيه”.
وكان رئيس البلدية عبد الحميد كريمة كشف إثر انهيار مبنى الرضوان في القبة الذي راح ضحيته أحمد المير، وابنته الممرضة أليسار، عن وجود 105 مباني تحتاج إلى إخلاء فوري، وأكثر من 600 بناء متصدّع في حاجة إلى تدعيم وترميم عاجل. ولكن المفاجئ أنّ المبنى المنهار في منطقة باب التبانة، لم يكُن مصنّفًا في دائرة الخطر. وتتعدّد شهادات الأهالي التي تفيد بأن “الأهالي قاموا بإبلاغ البلدية بخطورة المبنى بعد سقوط بناء التبانة، ولكن لم يحصل الكشف عليه قبل الانهيار”، وهو ما أكّدته شهادة الناجيين أحمد ملحم وفؤاد ونوّس.
إقرار من البلدية بوجود تحذيرات سابقة للكارثة
يقرّ المحامي عبد الله زيادة عضو المجلس البلدي بتلقّي البلدية طلبًا للكشف على المبنى في التبانة، مؤكّدًا “تحوّل أعضاء المجلس البلدي في كثير من الأحيان إلى سُعاة بريد بين البلدية والمواطنين، حيث نقوم بإرشادهم إلى ضرورة الاتصال بالخط الساخن، فتقوم الفرق الفنّية بوضع جدول بالمباني المطلوب الكشف عليها، إلّا أنّ المبنى سقط قبل الكشف عليه بسبب ضخامة الأعداد المُبلّغ عنها”. يتحدّث زيادة “عن أزمة عمرها أكثر من ثلاثة عقود، وهي تُثقل عاتق المجلس البلدي الجديد”، مشدّدًا على أنّ “استقالة المجلس البلدي هي استقالة جدّية، وقد وضعها الأعضاء في عهدة وزير الداخلية والمسؤولين، لأنّه لا يمكن تحميل المجلس الجديد مسؤولية ملف هائل من دون إعطائه الأدوات لحلّ الملف الذي تضخّم خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب التغطية الأمنية للمخالفات، والإهمال، والحروب العبثية التي رعاها السياسيون”. ويضع زيادة الاستقالة في خانة “وسائل الضغط من أجل تلبية مطالب البلدية من السلطة المركزية، وتنفيذ وعود الحكومة التي تكررت حتى بعد سقوط مبنى التبانة”. كما يكرّر أنّه “لا بدّ من خارطة طريق واضحة لمعالجة الملف، لأنّه لم يعد هناك ترف الوقت”، مطالبًا بـ “حلول جذرية لأنّ الترقيع لم يعد صالحًا، ولا يكفي منح الهيئة العليا للإغاثة بدل إيواء لمدة شهرين، حيث يجب هدم المباني المتهالكة، ومنح الأهالي بدلات إيواء لمدة لا تقل عن سنة، ريثما تُعالج المشكلة”.
في المقابل، وجّه النائب السابق مصباح الأحدب اتهامًا مباشرًا عبر منصة “إكس” إلى مجلس الإنماء والإعمار بالتقصير في ملف المباني المتصدّعة في شارع سوريا التبانة. وردًا على سؤال “المفكرة القانونية”، قال الأحدب: “استندت إلى التزام أعطي للإنماء والإعمار في مرحلة بعد الأحداث بين جبل محسن وباب التبانة بترميم المباني في شارع سوريا”، مطالبًا بـتحقيق للتأكّد من الطرح، لأنّه “كيف نطلي بناءً أساساته مهدّدة، ببويا من الخارج؟”. ويعلّق الأحدب على الكارثة بأنّ “على الدولة تأمين الاعتمادات والدعم للمواطنين من أجل إخراجهم من المباني المهددة بالانهيار، وتأمين الأموال للتدعيم الذي تخلّفت عنه الدولة منذ عام 2023، عندما راسلت البلدية رئاسة الحكومة من أجل الدعم، إلّا أنّ الجواب كان بأنّها أملاك خاصّة وعلى المالكين ترميمها، حيث تجاهل هؤلاء الوضع الاقتصادي السيّئ للناس في طرابلس”. فيما أصدر مجلس الإنماء والإعمار بيانًا، نفى فيه “معلومات مغلوطة تفيد بأنّ مجلس الإنماء والإعمار قد رمّم سابقًا المبنى الذي انهار الأحد 8 شباط 2026″، مؤكّداً أنّ المجلس “لم يكن له أي تدخّل في ترميم أو تأهيل هذا المبنى في أي وقت من الأوقات”.
إنذارات بالإخلاء… ولكن إلى أين؟
بعد انهيار مبنى القبّة، وجّهت بلدية طرابلس وقوى الأمن الداخلي إنذارات للإخلاء لسكان العشرات من المباني في طرابلس. ولكن الصدمة كانت أنّ الكثير من الأهالي لم يغادروا منازلهم، ليس لأنّهم طبّعوا مع المباني ذات السقوف المكشوفة، والجدران المتشققة، وإنما لعدم وجود مكان إقامة بديل. يخبرنا أحمد صديق الضحية نبيل الصايغ “قبل عشرة أيام جاءت القوى الأمنية، أعطتنا إنذارًا بالإخلاء لنا ولكافة سكان منطقة تحت السِباط في باب الحديد – الحي الملاصق لقلعة طرابلس عند مجرى نهر أبو علي، ولكن لم يُخلِ أحد رغم سوء الظروف، لأننا غير قادرين على تأمين مسكن بديل”. ويُطلعنا على حالة غرفة النوم التي تتحوّل الشقوق في سقفها إلى شلالات عندما تهطل الأمطار. ويقول الشاب: “إذا أردت معالجة النش أحتاج لأكثر من 500 دولار فقط لأطلي السقف، وهذا مبلغ غير مُتاح”. ويختصر كلامه ما تعيشه العديد من العائلات التي تتحمل المخاطر لأنه ليس لديها بديل حيث يحذر أحد شبان المنطقة من “تكرار تجربة الدومينو لأننا صرنا في قلب الخطر، وتحول كل شخص في الأحياء الشعبية إلى ضحية محتملة لسقوط سقف أو مبنى”.
يكشف رئيس لجنة الهندسة في بلدية طرابلس مصطفى فخر الدين عن توجيه الإنذارات وطلبات الإخلاء لمزيد من المباني الخطرة ضمن القائمة (114 مبنى في خطر داهم، وأكثر من 600 تحتاج إلى تدعيم طارئ). ويلفت فخر الدين عبر “المفكرة” عن “إخلاء 3 مبان نهار الإثنين بسبب أوضاعها الحرجة”، حيث قامت القوى الأمنية بإخلاء مجمّع العتر السكني الواقع عند دوار أبو علي.
وفي محاولة للبحث عن أماكن إقامة مؤقتة، أعلنت وزيرة التربية ريما كرامي فتح المعهد الفندقي في الميناء أمام الأهالي، وهو مبنى يتسع لأربعين عائلة فقط، معلنةً عن استكمال عملية المسح للتحقق من سلامة المدارس وعدم وجود أي خطر من أبنية مجاورة.
واتجه البعض منها نحو فندق “كواليتي إن” التابع لمعرض رشيد كرامي الدولي. ويلفت مدير المعرض هاني شعراني عبر “المفكرة” إلى أنّ “الفندق مفتوح أمام الناس، ويمكنهم التوجه إليه إذا ما أرادوا”، مستدركًا في المقابل، أنّه لا بد أن يؤخذ في الاعتبار الوضع السيئ للفندق الذي أغلقت أبوابه عام 2018، وتعرّض لضغط كبير من دون أي أعمال صيانة بعد أن تحوّل إلى مركز للحجر في 2020 إبان جائحة كورونا، واستقباله العشرات من العائلات الهاربة من الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2024. ويأسف شعراني أنّ الوضع الحالي للفندق غير مهيّأ لاستقبال الناس، وهو بحاجة لإعادة تلزيم وتأهيل، مشيرًا إلى أنّ الفندق يفتقر إلى خدمات الماء والكهرباء، والتمديدات الصحّية، وتعرّضت أجزاء من سقفه للسقوط بسبب الإهمال والتقصير.
خطط طارئة
قبل أربعة أشهر، بدأت الاجتماعات في محافظة لبنان الشمالي لوضع خطة للتعامل مع الأبنية المتصدعة، وفي الأثناء شهدت طرابلس على كارثتين كبيرتين، مع سقوط مبنى القبة، ومبنى التبانة، وبدء عمليات إخلاء متسارعة بسبب الخشية من السقوط المفاجئ. وقد نصّت الخطة على ضرورة توحيد “الداتا” وقاعدة البيانات بين البلدية، والهيئة العليا للإغاثة ونقابة المهندسين المتعلّقة بالمسوحات الفنية. ناهيك عن تحديد الوضع الاجتماعي والقانوني لقاطني المباني المهدّدة. كما طلبت الخطة تأمين تمويل طارئ عبر الهيئة العليا للإغاثة من أجل معالجة سريعة للمباني الخطرة.
في الموازاة، يرى الخبراء ضرورة التحرّك السريع لتجنّب الكارثة في المباني الشعبية. يقول المهندس خالد تدمري (رئيس سابق للجنة الآثار في بلدية طرابلس) إنّ أحزمة البؤس حول المدينة، وفي عدة أحياء شعبية من جبل محسن والتبانة إلى القبة وضهر المغر وباب الرمل تضمّ “قنابل موقوتة حذّر المجلس البلدي السابق من خطرها، وطلبت البلدية المساعدة من السلطة المركزية منذ زلزال تركيا في 6 شباط 2023″، متحدثًا عن أبنية باطونية أقيمت بشروط هندسية سيئة من نازحي الأرياف الفقراء، يتراوح عمرها النظري بين 60-70 عامًا، ويستحيل أن تعيش طويلًا بسبب الازدياد الهائل بعدد السكان والضغط على المبنى، وتعرّضها لأعمال العنف خلال الحرب والمعارك المتتالية والهزّات الأرضية، ولا يمكن تجاهل المخالفات وإضافة شقق وطبقات وإنشاءات أضيفت إلى المباني بسبب الفوضى وتقاعس السلطات الرسمية. ويحذّر من تأثير تسرّب المياه الآسنة والأمطار إلى أساسات تلك المباني، وتجمّعها في الملاجئ، وغياب ثقافة الصيانة والرقابة. ويتطرق إلى تأثير عدم صيانة المباني على عمر المباني بسبب نقص الإيرادات من الإيجارات القديمة، وضعف الدخل لدى القاطنين، بالإضافة إلى تجاهل الدولة لهذه المناطق وعدم تخصيص أي موازنة لطرابلس باستثناء مشروع الحريري السكني، فيما قامت وزارة المهجرين ببناء قرى بأكملها في أقاصي جبل لبنان.
يتحدث تدمري عن إجراءات تجميلية “ماكياج” و”خطط الترقيع” التي قامت بها الحكومة في أعقاب جولات العنف بين جبل محسن والتبانة، التي “ركزت على الطلاء وتركيب الزجاج والشبابيك من دون الدخول إلى قلب المنازل، أو الكشف على المباني التي تعرّضت للقصف أو عصف الانفجارات بذريعة أنّ الدولة لا يمكنها ترميم ملك خاص”. لذلك يخشى من عدم القدرة على معالجة المشكلة إلّا من خلال تكاتف وزارات الدولة ومؤسساتها مجتمعة، آخذين في الاعتبار خصوصية المباني التراثية عبر المديرية العامة للآثار، وتأمين فرص عمل للنازحين في قراهم من خلال خطط تنموية. ويلفت إلى إعادة إعمار شاملة لتلك المناطق بعد إخلائها من السكان، ومع تخطيط يضمن حياة كريمة للسكان ومساكن آمنة وبنى تحتية على غرار مشروع إعادة بناء الضاحية بعد حرب تموز 2006، والبدء بتشييد مبان مؤقتة، وهو ما يفرض إنشاء صندوق خاص بطرابلس المهملة منذ الاستقلال، إلّا من بعض المشاريع الفاشلة التي لزّمها مجلس الإنماء والإعمار لمقاولين مدعومين سياسيًا. كما ينبّه تدمري إلى ضرورة إعادة الكشف على الأبنية لعدم تكرار تجربة بناء التبانة، وقبله القبة، وهي مبان لم تكن مدرجة على قائمة المباني الخطرة.
اجتماع السراي
في السراي الحكومي، عُقد أمس الإثنين اجتماع طارئ برئاسة رئيس الحكومة نوّاف سلام بمشاركة وزير الداخلية أحمد الحجّار ورئيس البلدية عبد الحميد كريمة، وقائمقام محافظ الشمال إيمان الرافعي، ونقيب المهندسين شوقي فتفت، وفاعليات طرابلس والشمال للبحث في ملف المباني المتصدّعة، حيث أعلن رئيس الحكومة نواف سلام عن التوجه لإخلاء 114 مبنى بصورة عاجلة وخلال مهلة أقصاها شهر، وتأمين بدلات إيواء لمدة سنة ودفعها بصورة فصلية، وإدراج العائلات على قوائم برنامج أمان وتأمين الرعاية الصحية بواسطة وزارة الصحة، وكذلك تكليف الهيئة العليا للإغاثة بإكمال المسوح التي بدأتها البلدية بالتعاون مع نقابة المهندسين. وأشار سلام إلى أنّه “بعد الإخلاء، سيُباشر بتدعيم المباني القابلة للتدعيم، أما تلك المتهالكة سيتم هدمها”، و”الطلب إلى مجلس الإنماء والإعمار بالكشف على البنى التحتية وشبكات الصرف الصحي”، رافضًا وضع عمليات التمويل الطارئة في خانة الضغط المالي الإضافي على الخزينة، “لأن الأولوية لحياة الناس، وستؤمّن المبالغ بداية من موازنة الهيئة العليا للإغاثة، وفي حال اقتضت الحاجة ستؤمن مبالغ إضافية”.


