قانون العفو العام في لبنان… بين العدالة والجدل السياسي

ميساء الرز
يُعتبر قانون العفو العام في لبنان من أكثر الملفات حساسيةً وتعقيدًا، نظرًا لما يحمله من أبعاد قانونية وسياسية وإنسانية واجتماعية. فمع كل حديث عن تسويات داخلية أو نقاشات نيابية جديدة، يعود هذا الملف إلى الواجهة، مثيرًا انقسامًا واسعًا بين من يراه خطوة ضرورية لمعالجة قضايا عالقة منذ سنوات، ومن يعتبره تهديدًا لمفهوم العدالة وحقوق الضحايا.
ولا يقتصر الجدل حول العفو العام على الإطار القانوني فقط، بل يمتد ليشمل قضايا تتعلق بالسجون، والمحاكمات، والأوضاع الأمنية، إضافة إلى ارتباطه المباشر بملفات حساسة، أبرزها ملف الموقوفين الإسلاميين في لبنان.
ما هو قانون العفو العام؟
العفو العام هو قانون يصدر عن مجلس النواب اللبناني ويؤدي إلى إسقاط الجريمة نفسها وما يترتب عليها من ملاحقات أو أحكام أو عقوبات، ضمن حدود يحددها نص القانون. أي أن الشخص المشمول بالعفو لا يستفيد فقط من تخفيف العقوبة، بل يُعتبر الجرم المرتكب بحكم الساقط قانونيًا، ما يؤدي إلى وقف الملاحقات أو تنفيذ الأحكام المتعلقة به.
ولهذا السبب، يختلف العفو العام عن العفو الخاص الذي يصدر بمرسوم عن رئيس الجمهورية ويقتصر على تخفيف العقوبة أو إلغائها عن شخص محدد، من دون إسقاط الجريمة نفسها.
كيف يُقرّ قانون العفو؟
لا يمكن إقرار قانون العفو العام إلا عبر مسار تشريعي كامل داخل مجلس النواب، حيث يبدأ الأمر باقتراح قانون يُقدّمه نواب أو كتل نيابية، ثم يُناقش داخل اللجان المختصة قبل أن يُطرح للتصويت داخل البرلمان.
وبعد إقراره، يُنشر في الجريدة الرسمية ليصبح نافذًا رسميًا. وخلال هذه المراحل، يتم تحديد الجرائم التي يشملها العفو وتلك التي تُستثنى منه، إضافة إلى الفئات التي يمكن أن تستفيد منه.
في الآونة الأخيرة عاد الحديث عن العفو العام بشكل متكرر خلال السنوات الماضية نتيجة عدة عوامل، أبرزها الاكتظاظ الكبير داخل السجون اللبنانية، وبطء الإجراءات القضائية، ووجود عدد كبير من الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة داخل السجون من دون صدور أحكام نهائية بحقهم.
كما ارتبط الملف بشكل مباشر بقضية الموقوفين الإسلاميين، خصوصًا في طرابلس وبعض المناطق الشمالية، حيث تعتبر شرائح واسعة أن بعض الملفات شهدت تأخيرًا طويلًا في المحاكمات أو أُحيطت بظروف أمنية وسياسية معقدة.
من يشملهم قانون العفو؟
تختلف الصيغ المطروحة لقانون العفو من فترة إلى أخرى، إلا أن النقاشات غالبًا ما تدور حول إمكانية شمول بعض الموقوفين الإسلاميين، ومطلوبين بقضايا أمنية قديمة، وبعض جرائم المخدرات البسيطة أو المخالفات المحددة.
وفي المقابل، تستثني معظم الطروحات الجرائم الخطيرة، مثل جرائم القتل العمد، والتفجيرات الكبرى، والجرائم الإرهابية، والاعتداءات الجنسية، والتعامل مع العدو الإسرائيلي، نظرًا لحساسية هذه الملفات وارتباطها بحقوق الضحايا والمخاوف الأمنية.
الجدل حول قانون العفو العام
يُثير قانون العفو العام انقسامًا حادًا داخل المجتمع اللبناني، إذ يرى المؤيدون له أنه يشكل خطوة إنسانية وقانونية ضرورية لمعالجة أوضاع السجون وإنهاء معاناة عدد من الموقوفين وعائلاتهم، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها لبنان.
كما يعتبر البعض أن بعض الملفات تحتاج إلى إعادة نظر بسبب طول مدة التوقيف أو بطء المحاكمات.
في المقابل، يرى المعارضون أن العفو العام قد يؤدي إلى إضعاف هيبة الدولة وإسقاط المحاسبة في بعض الجرائم الخطيرة، كما يرفض كثيرون أي تسوية قد تأتي على حساب حقوق الضحايا أو العدالة، خصوصًا في القضايا الأمنية الحساسة.
رغم تكرار طرح ملف العفو العام على الساحة السياسية، لا يزال هذا القانون يواجه عقبات كبيرة تحول دون إقراره بصيغة شاملة، أبرزها الانقسامات السياسية، والخلاف حول الفئات التي يجب أن يشملها، إضافة إلى التوازنات الطائفية والأمنية التي تجعل أي صيغة مطروحة موضع تجاذب واسع.
وبين المطالبات بالإنصاف والمعالجة الإنسانية، وبين التمسك بمفهوم العدالة والمحاسبة، يبقى قانون العفو العام واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في لبنان، وقضية مفتوحة على نقاش مستمر يعكس حجم الانقسام السياسي والاجتماعي في البلاد.



